القاضي النعمان المغربي

144

تأويل الدعائم

والراحلة في الظاهر الدابة التي يرتحلها من أراد الحج لركوبه وحمل زاده ، ومثلها في الباطن ما قد تقدم القول به من أن الدواب من الإبل والخيل والبغال والحمير التي أخبر اللّه سبحانه في كتابه أنه خلقها لركوب العباد البشريين وحمل أثقالهم وجعلها زينة لهم ، أمثالها في الباطن أمثال أولياء اللّه وأسبابهم الذين يحملون أثقال العباد دينا ودنيا ، ومن ذلك قول اللّه عز وجل لمحمد نبيه صلى اللّه عليه وآله : « إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا » « 1 » فهم ومن أقاموه من أسبابهم لحمل الخلق على سبيل الحق أمثال ما يرتحل ويحمل عليه في الظاهر . وقد بينا فيما تقدم أمثال كل جنس من الدواب ومن مثله في الباطن من أولياء اللّه وأسبابهم ، فإذا وجد من وقف لطلب معرفة إمام زمانه من أسباب أولياء اللّه والدعاة إليهم من يدله عليه ويعرفه به ويفاتحه من العلم والحكمة بما يشهد لصحة قوله ، ويبين له ما دعاه إليه فذلك في الباطن وجود الزاد والراحلة ، وأما أمن السبيل فمثله في باطن التأويل أن يكون دليله على ذلك وحامله عليه وهاديه إليه ومفيده من العلم والحكمة ما يثبت ذلك عنده مأمونا غير متهم بالكذب وسوء المذهب ولا معروفا بذلك وأماما يخلفه لأهله فظاهر ذلك أنه من أراد الحج في الظاهر ولم يكن عنده إلا قدر ما تحمله لزاده ومركبه ، ولم يجد غير ذلك مما يقوت به عياله لم ينبغ له أن يدعهم يهلكون بعده ويذهب إلى الحج بما عنده ، لأنه قد جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله أنه قال : « كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول » ، فإذا كان تضييع العيال إثما لم ينبغ له أن يتركب الإثم ليبتغى به الثواب ، وقد جاء هذا القول أيضا عن الأئمة عليهم السلام ، وتأويل ذلك في الباطن أن عيال الرجل أمثالهم في الباطن أمثال المستفيدين منه من كان ممن علا قدره أو سفل ، حتى يكون الإنسان مفيد زوجته وولده وخادمه ، وكذلك جاء الأمر عن اللّه عز وجل في ظاهر قوله : « وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها » وقوله : « وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا » وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله : « كلكم أمير وكلكم مسؤول عن رعيته ، والسلطان أمير على من أمر عليه ، ومن أمره السلطان كذلك على قوم فهو أمير عليهم ومسؤول عنهم ، والرجل أمير على عياله ومن في بيته ومسؤول عنهم ، والمرأة أميرة على ما في بيت زوجها ومسؤولة عن ذلك ، والعبد أمير على ما فوضه

--> ( 1 ) سورة المزمل الآية : 5 .